محمد البشير : الحركة اليسارية في العالم كان عنوانها الدفاع عن المظلومين ومن اجل العدالة في توزيع الثروة
فهمي الكتوت : معركة الاصلاح السياسي في الأردن هي جزء من النضال الوطني التحرري والدفاع عن السيادة الوطنية
عصام الخواجا : الاشكالية الجوهرية ليست في تشابه البرامج السياسية وانما في ضعف بناء الادوات المشتركة
عبلة ابو علبة : التحالفات السياسية يجب ان تستند الى تحالفات اجتماعية واسعة وعلى اساس التمثيل النسبي الشامل .
حشد –الاهالي – خاص- نظمت ادارة صحيفة الأهالي ندوة نقاشية بمناسبة مرور الذكرى 37 على انعقاد المؤتمر الأول لحزب الشعب الديمقراطي الاردني – حشد-، وقد ارتأى القائمون على الصحيفة ان يكون عنوان الندوة:
مراجعة وتقييم المحطات الرئيسية في مسيرة الاحزاب اليسارية الاردنية منذ عام 1989 وهو العام الذي شهد استئناف الحياة البرمانية تمهيداً لالغاء الاحكام العرفية في آب 1992.
ووسط حضور نوعي هام قدم أمناء الاحزاب اليسارية الثلاثة مداخلات رئيسية دارت حولها نقاشات جادة، وقد أدار الندوة الصديق والرفيق محمد البشير عضو اللجنة التحضيرية للجبهة الوطنية الاردنية. وحرصاً على تعميم الفائدة، تنقل جريدة الاهالي في هذا العدد المخصص للمناسبة وقائع الندوة النقاشية.
الرفيق محمد البشير: بعد الدعوة للوقوف دقيقة صمت اجلالاً لأرواح الشهداء قال:
انه لشرف لي ان أدير هذا الحوار وأن أشكر الرفيقة عبلة وجريدة الأهالي التي تنظم هذه الجلسة الهامة التي تشكل استجابة لظروف حساسة جداً تمر بها أمتنا عموماً وقضيتنا الفلسطينية والأردنية على وجه الخصوص فالقضية الفلسطينية والاردنية قضية واحدة وأن كل ما يعيشه الوطن العربي من مشاكل متعددة تبدأ بالمشكل السياسي وتمر بالاقتصادي وتنتهي بالاجتماعي سببها الرئيسي وجود هذا الكيان الذي يشكل رأس حربة هذا الغرب الذي أفرز الكثير بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية من المؤسسات السياسية والحقوقية والمالية وغيرها وكان الأبشع من هذا الفرز والذي شكل الأداة العسكرية لهذا الغرب هو زرع الكيان الصهيوني رغم أنه بدأ قبل وبعد بلفور.
الحركة اليسارية في العالم كان عنوانها شكلاً ومضموناً الدفاع عن المظلومين في العالم من أجل عدالة أكثر في توزيع الثروة بحيث اصبحت طروحات أمتنا في بناء وحدتها وبناء نظامها السياسي والاقتصادي متداخلاً بشكل استثنائي مع الفكر الماركسي ولاحقاً مع التجربة الماركسية اللينينية في الاتحاد السوفياتي، وقد نجحت امتنا في خلق ادواتها السياسية المختلفة لأنها لم تأتي من السماء سواء كانت الحركة القومية او الحركة اليسارية بل كانت استجابة لرغبة حقيقية بالتحرر .
اليوم نلتقي لنراجع تجربة الاحزاب اليسارية عبر نماذج ثلاثة تعرفونها جميعاً الحزب الشيوعي الاردني وأرحب بالرفيق الحبيب الغالي فهمي الكتوت الأمين العام للحزب الشيوعي الاردني وأيضاً حزب الوحدة الشعبية ممثلاً بالامين العام الدكتور عصام الخواجا، والرفيقة عبلة ابو علبة الامين العام لحزب الشعب الديمقراطي الاردني حشد والذي باسمكم ولكم الرفاق الاعزاء في الحزب أبارك الذكرى السابعة والثلاثين لتأسيسه لنراجع هذه التجربة التاريخية أين أصبنا أين اخطأنا؟
ملخص لأهم ما جاء في مداخلة الامين العام للحزب الشيوعي الاردني الرفيق فهمي الكتوت
تقييم ومراجعة
استجابة البرامج السياسية والاجتماعية للأحزاب
اليسارية الأردنية للتطورات النوعية الواقعة بعد عام 1989
بعد تقديم التهنئة لحزب الشعب ، قدم المداخلة الاولى وقال فيها :
شَكَّلَتْ انتفاضةُ نيسان المجيدةِ منعطفاً تاريخياً في حياةِ البلادِ، وفتحتْ آفاقاً واسعةً لإجراءِ مراجعةٍ شاملةٍ للعديدِ من السياساتِ التي كانت سائدةً. وجاءتْ تعبيراً صادقاً عن إرادةِ الشعبِ الأردنيِّ، برفضِ الخنوعِ للسياساتِ الرسميةِ التي أوصلتِ البلادَ إلى الأزمةِ الماليةِ والاقتصاديةِ، واتساعِ دائرةِ الفقرِ والبطالةِ، وارتفاعِ أسعارِ مختلفِ السلعِ والموادِ الأساسيةِ نتيجةَ انهيارِ سعر صرف الدينار امام العملات الاجنبية.
كيف تعاملت الأحزاب اليسارية مع الأزمة وتداعياتها؟
حذرتِ الأحزابُ اليساريةُ مبكراً من مغبةِ الوقوعِ في فخِ المديونيةِ، بعد اتساعِ تدفقِ القروضِ التي أسهمتْ في تعميمِ النزعاتِ الاستهلاكيةِ في البلادِ، وتوسيعِ الاستيرادِ من الأسواقِ الرأسماليةِ، والخضوعِ للتبعيةِ الاقتصاديةِ.
عرَّضتِ السلطاتُ الرسميةُ البلاد إلى أخطرِ أزمةٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ؛ بدأتْ بانهيارِ أسعارِ صرفِ الدينارِ أمام العملاتِ الأجنبيةِ، واختفاءِ موجوداتِ البنكِ المركزيِّ من احتياطيّاته، والتوقيع على أول اتفاقية مع صندوقِ النقدِ الدوليِّ. مقابلَ سلسلةٍ من الإجراءاتِ التي شملتْ:
* فرضَ الضرائب .
* والتخلي عن مؤسساتِ الدولةِ لصالحِ الاحتكاراتِ الأجنبيةِ.
كانتْ حصيلة الخضوع لإملاءات الصندوق ارتفاعَ المديونيةِ من 2.648 مليارِ دينارٍ سنةَ 1988 إلى أكثرَ من 49 مليارِ دينارٍ حالياً.
رفضت الأحزابُ اليساريةُ الاتفاقيةِ وطالبتْ بالتصدي لها، ومعالجةِ الوضعِ الاقتصاديِّ:
* البدءِ بمشروعٍ تنمويٍّ يعتمدُ على الذاتِ وتوفيرِ فرصِ العملِ.
* الرفضِ التامِ للانصياعِ لإملاءاتِ صندوقِ النقدِ والبنكِ الدوليينِ.
واقع الحريات وهندسة القوانين السياسية
قوبلتِ الانتفاضةُ بحملةٍ واسعةٍ من الإرهابِ والاعتقالاتِ، حيث تعرضتِ الحركةُ الوطنيةُ الأردنيةُ لحملاتٍ من القمعِ والتنكيلِ، واستُخدمتْ كافةُ الوسائلِ لمحاربتِها وإضعافِها.
لقد ترافقتْ هندسةُ القوانينِ الانتخابيةِ منذُ عامِ 1993 مع صدورِ قانونِ “الصوت الواحد المجزوء” الذي أسهمَ في تفتيتِ النسيجِ الاجتماعيِّ، وإضعافِ دورِ الأحزابِ السياسيةِ، وتوفيرِ المناخٍ السياسيٍّ للتوقيع على اتفاقيةِ وادي عربة.
وعليهِ، فإنَّ معركةَ الإصلاحِ السياسيِّ في الأردنِ ليستْ مطلباً ديمقراطياً فحسبْ، بل هي معركةُ تحررٍ وطنيٍّ وسيادةٍ. فلا يمكنُ مواجهةُ المشروعِ الصهيونيِّ التوسعيِّ، ولا حمايةُ الأردنِ من التفككِ والابتزازِ، في ظلِّ عدمِ المشاركةِ الشعبيةِ
جدلية الأيديولوجيا والبرنامج السياسي
تتزامنُ هذهِ الممارساتُ مع سياساتِ التشكيكِ بدورِ الأحزابِ التاريخيةِ عبرَ الدعوةِ إلى “أحزابٍ برامجيةٍ وليس أحزاباً أيديولوجيةً”، وهو طرحٌ ملتبسٌ يتناقضُ مع جوهرِ العملِ السياسيِّ لعدةِ أسبابٍ:
* الأيديولوجيا هي البوصلةُ والبرنامجُ هو الخريطةُ: لا يمكنُ لبرنامجٍ حزبيٍّ أن ينشأَ من فراغٍ؛ فالبرنامجُ هو ترجمةٌ عمليةٌ لرؤيةٍ فكريةٍ (أيديولوجيةٍ).
* إنَّ الخطابَ الذي يروجُ “للأحزابِ البرامجيةِ” كبديلٍ “للأحزابِ الأيديولوجيةِ” يحاولُ تصويرَ إدارةِ الدولةِ وكأنها مجردُ “مجلسِ إدارةِ شركةٍ” يحتاجُ لحلولٍ تقنيةٍ محايدةٍ. وبالتالي، فإنَّ غيابَ الأيديولوجيا المعلنةِ لا يعني انعدامَها، بل يعني تمريرَ أيديولوجيا معينةٍ تحتَ ستارِ “الواقعيةِ والحلولِ البرامجيةِ”.
منهجية أحزاب اليسار
تنطلقُ أحزابُ اليسارِ من المنهجيةِ العلميةِ الديالكتيكيةِ، باعتبارِها أداةً للتحليلِ تتطورُ وتغتني بالاكتشافاتِ العلميةِ الجديدةِ، لكونِها تستندُ إلى القوانينِ الموضوعيةِ، وتمثلُ أسلوباً نظرياً وعملياً لاكتشافِ حقائقِ الكونِ وفهمِها.
وهذا ما قصدَهُ كارل ماركس بقولِهِ:” إنني لم أضعْ إلا حجرَ الزاويةِ في هذا العلمِ”
في إشارةٍ إلى أنَّ المعرفةَ الماركسيةَ ليستْ منظومةً جامدةً أو مغلقةً، بل هي جزءٌ من صيرورةِ الحياةِ وحركتِها المستمرةِ، وتتطورُ مع تطورِ الواقعِ ومتغيراتِهِ.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، فإن دراسة خصائص بلادنا واحتياجات شعبنا، والتعرف على المستجدات والمتغيرات التي طرأت على البنى الاجتماعية خلال العقود الأخيرة، ولا سيما تلك المرتبطة بتطبيق السياسات النيوليبرالية، وما أفرزته من تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية، تشكل المقدمات الموضوعية لاستنباط مهام المرحلة، وفقاً لطبيعة التناقضات الرئيسية والثانوية.
الحصيلةُ النهائيةُ للسياساتِ النيوليبراليةِ التي تستهدفُها برامجُ الأحزابِ اليساريةِ:
* أبرزِ التحدياتِ التي تواجهُ البلادَ السياساتُ العدوانيةُ الصهيونيةُ الإمبرياليةُ في إقامةِ ما يُسمى “إسرائيل الكبرى” في ابتلاعِ فلسطينَ واحتلالِ أجزاءٍ واسعةٍ من الوطنِ العربيِّ وفي المقدمةِ الأردنُ وسوريا ولبنانُ. وما العدوانُ الإمبرياليُّ الصهيونيُّ على إيرانَ إلا جزءٌ من المشروعِ الذي يستهدفُ إقامةَ الشرقِ الأوسطِ الجديدِ.
* تغوُّلُ السياساتِ الضريبيةِ غيرِ المباشرةِ “ضريبةُ المبيعاتِ والضرائبُ الخاصةُ على المحروقاتِ والاتصالاتِ وغيرها”، وأثرُها على انحسارِ النموِّ الاقتصاديِّ في أدنى مستوياتِهِ وتآكلِ الأجورِ،.
* ارتفاعُ قيمةِ الدينِ العامِّ من 2.650 مليارِ دينارٍ عامَ 1988 إلى أكثرَ من 49 مليارِ دينارٍ حالياً،
* ارتفاعُ معدلاتِ البطالةِ إلى نحوِ 22%، وبين الشبابِ إلى 45%، إلى جانبِ التوسعِ في الضرائبِ غيرِ المباشرةِ التي أسهمَتْ في تآكلِ الأجورِ.
* تصدِّي برامجِ الأحزابِ اليساريةِ للاتفاقياتِ المبرمةِ مع صندوقِ النقدِ الدوليِّ وما ترتَّبَ عليها من آثارٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ، وطرحُ رؤيةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ بديلةٍ تستندُ إلى مشروعٍ تنمويٍّ وطنيٍّ يقومُ على استثمارِ المواردِ الطبيعيةِ والبشريةِ للبلادِ، وبناءِ اقتصادٍ وطنيٍّ منتجٍ، وتطويرِ العلاقاتِ السياسيةِ والاقتصاديةِ مع الدولِ الصديقةِ بما ينسجمُ مع المصالحِ الوطنيةِ ويعززُ السيادةَ الوطنيةَ، إلى جانبِ إنهاءِ جميعِ أشكالِ العلاقاتِ السياسيةِ الاقتصاديةِ مع العدوِّ الصهيونيِّ.
* مكافحةُ الفسادِ الماليِّ والإداريِّ من خلالِ ترسيخِ مبادئِ النزاهةِ والشفافيةِ، وتعزيزِ استقلالِ السلطةِ القضائيةِ وحمايتِها من أيِّ تدخلٍ، ومحاسبةِ جميعِ المتورطينَ والمنتفعينَ والمتنفذينَ، بما يضمنُ سيادةَ القانونِ وصونَ المالِ العامِّ.
* التصدي للتراجعِ الخطيرِ للحقوقِ السياسيةِ والنقابيةِ والإعلاميةِ؛
ملخص لأهم ما جاء في مداخلة الرفيق عصام الخواجا: الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية
بعد تقديم الشكر على تحديد موضوع الندوة وتوجيه التهنئة لحزب الشعب ، استهل مداخلته بالتأكيد على أن هبة نيسان عام 1989 شكلت محطة انفراج ديمقراطي حيث جرت أول انتخابات نيابية بعد حوالي 3 عقود من سيادة الاحكام العرفية، الأمر الذي فرض انتقالاً من السرية الى العلنية في عمل الاحزاب السياسية التي شاركت في الانتخابات البرلمانية.
ولكن هذه المرحلة تزامنت مع انتكاستين 1- محادثات مدريد مدريد عام 1990 بعد حرب الخليج وما افضى من مسار تسووي وعقد اتفاق اوسلو ووادي عربة2-انهيار الكتلة الاكبر والاكثر تأثيراً في العالم وهي الكتلة الاشتراكية.
كل ذلك ولد حالة صدمة وأزمة وجدل واسع داخل احزاب اليسار ومن ضمنها احزاب اليسار الاردني وكان لها تأثير على البنى التنظيمية كماً ونوعاً كما ولدت الحالة كثيراً من الاسئلة الاستراتيجية الكبرى.
عند مراجعة برامج الاحزاب السياسية الثلاثة، نجد هناك تقاطعات كبيرة فيما بينها، لأن بنية هذه البرامج تستند الى مرجعيات فكرية واحدة هي الاشتراكية العلمية وقوانين الصراع الطبقي، وكل ما له صلة بصراع الاضداد ونظريات فائض القيمة.. الخ.
كما أن هناك كثير من المصطلحات المشتركة التي تستخدمها الاحزاب الثلاثة في توصيف قضايا الثورة الوطنية الديمقراطية والبرامج السياسية ومهام التغيير الوطني الديمقراطي، وتشخيص القوى الاجتماعية المحركة للثورات والنضال الوطني الديمقراطي..الخ وسأقدم أمثلة حسية:- الطبقة العاملة ، فقراء الفلاحين،ملاك الحيازات الصغيرة، البرجوازية الصغيرة البورجوازية الوطنية، المثقفون الديمقراطيون،..
كما أن برنامج قوى اليسارجميعها قائمة على العدالة الاجتماعية والديمقراطية التشاركية والمطالبة بقوانين سياسية ديمقراطية والحريات العامة وكذلك الاقتصاد الانتاجي بكل مفرداته بما فيها ذلك التخلص من التبعية للاجنبي وللمراكز المالية للدول الرأسمالية والاستعمارية.
اذن هناك أسس للعمل المشترك والتوجهات التحالفية ، وقد نجحت الاحزاب في بعض الصيغ مثل مجابهة التطبيع ، اللجنة العليا لحق العودة حملات الغاز الموقف من القضية الوطنية الفلسطينية، ثم قانون العمل، الضمان الاجتماعي قوانين الانتخابات والاحزاب…الخ.
أود اضافة مسألة هامة تتعلق بغياب المراجعات الفكرية العميقة والجادة والنقدية، وغياب الانتاج الفكري العميق الذي يمكن ان يسند الحياة السياسية وعمل احزاب اليسار.
وعليه انتهي للقول في هذه المداخلة بان تقاطع البرامج الى درجة كبيرة كان يمكن ان يوظف لاشتقاق برنامج مشترك لصيغ عمل اطارية تنظيمية مشتركة، ولكن لم نستطع توظيف تنوعنا وخبراتنا العديدة بل شهدنا كثيراً من الصراعات ذات الطابع الفئوي والتنافسي.
فالاشكالية الجوهرية لم تكن تكمن في تشابه البرامج وانما في بناء الادوات المشتركة.
مثال :- الاتحاد الوطني لشباب الاردن
يمكن ان نتجه للتفكير في مركز بحثي مشترك وصيغ عمل اعلامية مشتركة تدعم الجبهة الوطنية القائمة على ائتلاف الاحزاب الثلاثة.
مداخلة الرفيقة عبلة ابو علبة الامين العام لحزب الشعب الديمقراطي الاردني (حشد)
عندما نقول أن أحزاب اليسار العربي/ والأردني منها/ تمر في مرحلة استعصاءات، فماذا نقصد بذلك ؟ وما هي مظاهر هذه الاستعصاءات؟ الأزمة الرئيسية التي تواجه احزاب اليسار تتمثل في عدم قدرتها على احداث موازين قوى جديدة ذات تأثير نوعي في البلاد، وأستشهد هنا بمقال لأحد الرفاق السودانيين وهو في معرض تقييمه لدور الحزب الشيوعي السوداني، الذي على الرغم من اتساع نفوذه وكل ما قدمه من انتاج فكري ومعرفي ونضالي في الميدان ، الا أنه لم يصل الى مرحلة يستطيع فيها أن يكون مقرراً في السياسة الرسمية في السودان .
ولعل السبب الرئيسي الجامع بين الاحزاب الشيوعية والديمقراطية جميعها هو أن برامج عمل هذه الاحزاب لم تتحول الى قوة اجتماعية منظمة واسعة تحمل البرنامج وتدافع عنه أمام الجهات الرسمية ، لذلك بقيت برامج الاحزاب اليسارية المتميزة بتقدميتها وديمقراطيتها ، محصورة لدى النخب السياسية.
في هذا السياق أود الحديث حول القضايا الرئيسية التالية:-
1)التحالفات والتمثيل النسبي:لقد أضاعت احزاب اليسار الاردني على نفسها وعلى الحركة الجماهيرية فرصة ثمينة لاقرار التمثيل النسبي والقائمة المغلقة كأساس للانظمة الداخلية للنقابات المهنية والعمالية والمؤسسات الجماهيرية الاخرى .
لم يلتفت أحد الى هذا المبدأ العادل والمنصف والذي كان من الممكن ان يجنبنا كثيراً من الصراعات البينية والتفكك الحاصل بين مواقف القوى الوطنية والديمقراطية.
2)التحالفات السياسية والاجتماعية: افتقرت صيغ التحالفات بين احزاب اليسار فيما بينها وبينها وبين القوى الوطنية والقومية على الجانب السياسي فقط، والمتعلق بالموقف من القضايا القومية وقضايا الحريات العامة، ولم تسحب التحالفات نفسها على صيغ العمل في المؤسسات الاجتماعية التمثيلية مثل النقابات والاتحادات الشبابية والعمالية وغيرها. لذلك تعرضت صيغ التحالف السياسي للحل والضياع اكثر من مرة، كما حصل في لجنة تنسيق احزاب المعارضة الوطنية، وائتلاف الاحزاب القومية واليسارية، ان التحالف بين قوى اليسار، ومع القوى الديمقراطية جميعها بحاجة الى تمتين علاقاتها من خلال العمل المشترك في النقابات والمؤسسات الجماهيرية الاخرى، فهذا الاتجاه هو الذي يمكن ان يشكل القاعدة الاساس لتعميق وحدة اليسار في صفوف الشعب.
3) الاتجاه نحو الحلول المرحلية في التعامل مع الأزمات المستعصية:حيث تبتعد معظم احزاب اليسار عن هذا الاتجاه، وتلجأ الى البديل المتمثل في اطلاق الجمل الثورية والأهداف بعيدة المدى، حيث لا سبيل الى تحقيقها بفعل موازين القوى المختلة لغير صالح قوى اليسار وقوى التغيير عموماً ان العمل على الحلول المرحلية للازمات المطروحة من شأنه أن يقدم
احزاب اليسار الى المجتمعات كقوى فاعلة من اجل التغيير، بعيداً عن التهم الموجهة دائماً لهذه الاحزاب بانها تكتفي بالتنظير السياسي.
4) في مواجهة استراتيجية التفكيك والتقسيم التي تعتمدها القوى الاستعمارية المعادية لشعوبنا، يتوجب على احزاب اليسار ان تضع في اولوياتها توفير شروط عملها المشترك ورفع مستوى التنسيق فيما بينها، تحديداً في القضايا المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والمساواة والحريات العامة، والدفاع عن السيادة الوطنية.
في هذا السياق فان ما يحدث في مجتمعاتنا من تصدعات وتعميق للشروخ والانقسامات المفتعلة هو أمر شديد الخطورة ويستوجب التصدي له بكل الامكانات المتاحة، بما في ذلك تقديم نموذج وحدوي في السلوك العملي لاحزاب اليسار أمام القوى الاجتماعية المختلفة.
هذا وقد دار نقاش واسع توافق فيه المشاركون على عدد من القضايا والاستخلاصات الرئيسية اهمها : ضرورة ان تترجم التوجهات الوحدوية لدى الاحزاب اليسارية الثلاثة الى واقع حال وخطط عملية مثل اصدار صحيفة مشتركة، والتأسيس لمركز بحث مشترك ، والاهتمام الجادّ بمعالجة الخلافات في النقابات تمهيدا لقوائم موحدة في الدورات القادمة .
يمكن القول ان روحاً جديدة قد سادت النقاش وأجواء الندوة حيث استقبل المشاركون في الندوة العناوين المطروحة بترحاب وارتياح شديدين على أمل مواصلة نهج الاستمرار في المراجعة وبناء تحالفات اكثر عمقا في المستقبل .


