حشد- جاء خطاب الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة تاريخية شديدة التعقيد، لا تحتمل المجاملة ولا اللغة الدبلوماسية المواربة؛ إذ تتداخل فيها الحرب على غزة والضفة الغربية مع تصعيد العدوان الإسرائيلي على لبنان وسوريا، والحرب على إيران. وقد ربط الخطاب بين العدوان والاستيطان والتهجير وفرض الوقائع الجديدة على الأرض وتقويض قيام الدولة الفلسطينية. وهذه قضية سياسية جوهرية؛ لأن التعامل مع كل جريمة باعتبارها حادثة منفردة يسمح بتحويل مشروع سياسي متكامل إلى مجرد «أحداث مؤسفة» تنتظر إدانة جديدة.
وما يستحق التقدير أن الخطاب وضع القضية الفلسطينية في مركز المشهد، رافضًا التهجير وتصفية القضية وفرض وقائع جديدة بالقوة. وكان واضحًا في تشخيصه للأخطار التي تواجه المنطقة، ومتقدمًا في طرحه للقضية باعتبارها جوهر الصراع في الشرق الأوسط، الذي يتصاعد ويتخذ أبعادًا شديدة الخطورة بفعل السياسات الإسرائيلية التي يرى الخطاب أنها تسعى إلى تحقيق أهداف سياسية واضحة.
فالخطاب يحذر من السياسات الإسرائيلية ومخاطر توسعها الإقليمي، ويعكس طبيعة التحديات التي تواجه الأردن؛ إذ إن استمرار الاحتلال والاستيطان والتهجير والتوسع يرتب نتائج خطيرة على الأردن والمنطقة. كما حذر من أن التوسع الإسرائيلي لم يعد خطرًا محصورًا بالفلسطينيين، بل بات يحمل تداعيات إقليمية مباشرة، ولا سيما في ظل التطورات في جنوب سوريا. وربط الملك ذلك صراحةً بأمن الأردن وحدوده وأمنه المائي، وهو طرح يعكس قراءة للمشهد الإقليمي من زاوية الأمن الوطني الأردني، وليس فقط من زاوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
كما وضع الخطاب المجتمع الدولي أمام مسؤولياته؛ فالمشكلة ليست في غياب أدوات الضغط، وإنما في غياب الإرادة السياسية لاستخدامها، وفي عدم بقاء القرارات والقواعد الدولية مجرد حبر على ورق. وهذه نقطة مهمة في ظل استمرار الاستيطان والعنف والتهجير في الضفة الغربية، وتواصل المأساة الإنسانية والابادة في غزة. فالمشكلة أن العالم لا تنقصه القرارات أو الأدوات، وإنما تنقصه الإرادة السياسية لتطبيقها على الجميع دون ازدواجية في المعايير. ومن هنا، فإن قوة الخطاب الحقيقية تكمن في وضع هذه الحقيقة أمام المجتمع الدولي بصورة مباشرة لا تحتمل اللبس.
إن أهمية خطاب الملك لا تكمن في مقدار ما يستحقه من التقدير وحسب، بل أيضًا في الأسئلة التي يفتحها. فإذا كانت إسرائيل، بممارساتها التوسعية، تخلق أخطارًا متزايدة على الأردن والمنطقة، وفي ظل عجز منظومة القوة الدولية عن ردعها، فإن التحدي الحقيقي أمام السياسة الأردنية هو كيفية الانتقال من التحذير من النتائج إلى مراجعة السياسات التي تجعل الأردن عرضة لها. فتمتين الجبهة الداخلية في مواجهة الضغوط الخارجية يصبح أكثر رسوخًا حين يستند إلى مشاركة سياسية حقيقية، وعدالة اجتماعية، وحماية الفئات الشعبية، وعدم تركها وحدها تدفع أثمان الأزمات.
ومن هنا، فإن المطلوب من السلطة التنفيذية الإقدام على خطوات ملموسة لتحقيق انفراج سياسي حقيقي يعيد الثقة بالحياة العامة، ويوسّع مساحة المشاركة، ويصون الحريات، ويحترم الحق في الرأي والتعبير، ويضمن استقلالية العمل السياسي والحزبي والنقابي، وإعادة النظر في التشريعات المقيّدة للحقوق بما ينسجم مع الدستور الأردني، والتوقف عن ملاحقة النشطاء السياسيين والافراج عن المعتقلين. وهي خطوات تفتح الطريق نحو ديمقراطية حقيقية قائمة على المشاركة الشعبية وسيادة القانون، إلى جانب انتهاج سياسات اقتصادية واجتماعية تحدّ من حالة التدهور الاقتصادي، وتخفف الأعباء المتزايدة عن المواطنين، بما يعزز الجبهة الداخلية ويمتنها. ولكي يكون الأردن أكثر قدرة على مواجهة العواصف الإقليمية، فإن أقصر الطرق إلى ذلك تمر عبر جبهة داخلية متماسكة، ومجتمع يشعر بأن صوته مسموع، وحياة سياسية أكثر انفتاحًا، واقتصاد يخفف عن المواطنين بدل أن يحمّلهم أعباء جديدة.
عمان في 23/9/2026
اللجنة التحضيرية للجبهة الوطنية الشعبية الأردنية
